الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
167
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
فيه إنما الكلام هنا في قضاء تعدد المكلف به تعدد الأداء وتميز كل من الفعلين في الخارج عن الآخر وهو أظهر من قضاء الأمرين المتعلقين بالطبيعة الواحدة تعدد المكلف به في الخارج وتميز كل منهما عن الآخر في الإيجاد مضافا إلى جريان الدليل المتقدم هناك أيضا بل الظاهر أن فهم العرف في المقام أوضح منه هناك سيما إذا كان بين المفهومين عموم من وجه والظاهر جريان الخلاف المتقدم في المقام أيضا والوجه في القول به ما مرت الإشارة إليه ودفعه أيضا ظاهر مما قدّمناه وينبغي التنبيه على أمور أحدها أنه لو تعلق التكليف بأمور وكانت تلك الأمور في صورة واحدة لم يقض مجرد ذلك بتصادقهما في الفرد ليكتفي بإيجاده مرة في أدائهما بناء على القول بالتداخل فإن قضية القول بالتداخل جواز الاجتماع بعد العلم باندراجهما في طبيعة واحدة أو العلم بتصادق الطبيعتين في مصداق واحد أما لو لم يثبت ذلك كتصادق الزكاة والخمس على شيء واحد أو صدق واحد منها مع سائر الصدقات أو صدقة مع أداء الدين وكذا تصادق الزكاة الفطرة وزكاة المال وكذا تصادق سائر الحقوق المالية كمال الإجارة وثمن المبيع ومال المصالحة والقرض وغيرها من الحقوق الثابتة في الذمة وكذا تصادق صلاة الصبح ونافلتها وتصادق أحدهما مع صلاة الطواف وغيرها مما يوافقها في الصورة فلا إشكال في بطلان القول بالتداخل بالنسبة إليها وكذا لم يقل أحد بالتداخل في شيء من المذكورات ولم يذكر فيه ذلك على سبيل الاحتمال أيضا طبائع مختلفة متباينة أو غير ثابت المصادفة وإن كانت متحدة بحسب الصورة فهي إذن خارجة عن محل الكلام فما يظهر من كلام بعض أعاظم الأعلام من إدراج ذلك في رد التداخل ليس على ما ينبغي وحينئذ فالقول بالتداخل في مسألة الأغسال بالنظر إلى الأصل على القول به مبني على إثبات تصادق تلك الأغسال وإمكان اجتماعها أو ثبوت كون الغسل طبيعة ذا أفراد بتعدد جهة التكليف أما مع عدم ثبوت شيء من الأمرين فلا وجه للقول بالتداخل فيه ولو على القول بأصالة التداخل فلا يعقل في المقام ثانيها أن محل الكلام ما إذا تعلق الأوامر بطبيعة واحدة قابلة الصدق على جزئيات أو بطبائع مصادقة في بعض المصاديق أو جميعها أما إذا تعلق الأمر بمجموع أمور هي من أفراد طبيعة واحدة كما إذا وجب عليه ألف درهم من الزكاة لم يعقل أن يكون دفع درهم واحد قائما مقام الجميع ضرورة تعلق الوجوب بالألف وهو غير صادق على الواحد فما وقع في المقام من التمثيل بدفع دينار بدلا عن قنطار ليس على ما ينبغي ثالثها أن محل الكلام في المقام جواز اجتماع المطلوبين المتعددين في المصداق بأن يكون فعل واحد مجزيا عنهما أما إذا كان متعلق المفهوم الذي تعلق الأمران به كليا صادقا على أفراده فلا يعتبر تعدده في مقام الامتثال كما إذا نذر دفع درهم إلى الفقير ثم نذر نذرا آخر وهكذا فلا إشكال في جواز دفع ذلك كله إلى فقير واحد وكذا لو تغايرا في المفهوم وتصادقا في المصداق جاز اختيار مورد الاجتماع وأداء التكليفين بالنسبة إليه فلو قال أعط الفقير درهما وأعط العالم دينارا وكان زيدا فقيرا عالما جاز دفع المنذورين إليه ولو نذر شيئا للفقير وشيئا للسيد وشيئا للعالم فاتفق هناك فقير سيد عالم جاز دفع الكل ويجري ذلك في الوصايا والأوقات وغيرها نعم يجيء بناء على التداخل الاجتزاء بإعطاء درهم واحد إياه واحتسابه عن الكل لو كان المنذور في كل من النظر النذور المفروضة دفع درهم عليه وقد عرفت وهنه ومخالفته لفهم العرف ولو كان اتحاد المتعلقين قاضيا باتحاد الفعل المتعلق بهما كما إذا قال ائتني بفقير وأتني بعالم أو قال زر فقيرا وزر عالما فاتفق هناك فقير عالم ففي الاجتزاء بالإتيان به منهما نظرا إلى حصول الأمرين بفعل واحد أو لزوم تكرار الفعل بالنسبة إليه وجهان والحق أن ذلك بعينه مسألة التداخل وإنما يجيء التأمل في المثال من جهة احتمال قضاء المقام بكون المطلوب هو الطبيعة المطلقة ومع عدم استظهاره في المقام لا بد من التكرار أيضا حسبما فصلنا القول فيه رابعها أنهم اختلفوا في تداخل الأسباب وأن الأصل تداخلها حتى يقوم دليل على خلافه أو أن الأمر بعكس ذلك وهذه المسألة قد أشار إليها جماعة من المتأخرين وما قررناه من المسألة المذكورة هو عين تلك المسألة في بعض الوجوه ولنوضح الكلام فيها حتى يتبين به حقيقة المرام فنقول إن المراد بالسبب في المقام هو المقتضي لثبوت الحكم في الشرع مما أنيط به الحكم على ما هو الشأن في الأسباب الشرعية سواء كان مؤثرا في ثبوت الحكم بحسب الواقع أو كان كاشفا عن ثبوت مؤثر آخر كما في كثير من تلك الأسباب وسواء استحال الانفكاك بينهما أو جاز التخلف كما هو الغالب نظرا إلى طرو بعض الموانع أو بفقدان بعض الشرائط والمراد بتداخل الأسباب إما تداخلها من حيث السببية والتأثير بأن يكون الحاصل منها مع تعددها سبب واحد فلا يتفرع على تلك الأسباب إلا حكم واحد فلا يحصل أداؤه بفعل واحد وأن المراد تداخل مسبباتها بأن تكون تلك الأسباب قاضية بتكاليف عديدة وخطابات متعددة متعلقة بالمكلف فالمقصود حينئذ تداخل تلك التكاليف المسببة عن الأسباب المفروضة بمعنى حصولها في ضمن فرد واحد وتأديتها بفعل واحد فيكون قد أطلق تداخل الأسباب على تداخل المسببات من حيث إن ملاحظة الأسباب إنما هي من جهة المسببات المتفرعة عليها ويكون التأمل في تداخلها من جهة تعدد الأسباب الواجبة لها والأظهر أن يراد بالعبارة المذكورة ما يعم الوجهين فيكون المقصود بها أن تعدد الأسباب هل يقضي بتعدد المسبب في الخارج أو لا فيعم ذلك ما إذا قيل بعدم اقتضائه تعدد التكليف من أصله أو كان مقتضيا لتعدد التكليف لكن يكون المكلف به حاصلا بفعل واحد سواء قيل بكون المكلف به واحدا أو متعددا أيضا لكن يقال بحصوله في ضمن فعل واحد والوجه الثاني هو ما قررناه من المسألة المذكورة بعينها إلا أن المفروض هناك أعم من المفروض هنا حيث إن المفروض هنا تعدد الأمر مع تعدد الأسباب القاضية بها والمفروض هناك أعم من ذلك أما الأول فملخص القول فيه أنه إن كان الفعل الذي توارد عليه الأسباب المفروضة غير قابل للتعدد في الخارج فلا إشكال كون المطلوب هناك فعلا واحدا سواء ثبت بكل من الأسباب المفروضة تكليف بذلك الفعل فيتأكد الحكم فيه نظرا إلى تعدد جهات